2:11 م

أسباب الغيبة الصغرى للإمام المهدي -2

ثالثاً: إثبات حقيقة وجود الإمام المهدي (عليه السلام) وإبطال شبهات المشككين

بعد وفاة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) عام 260 هـ، وبسبب خفاء أمر ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) عن أكثر الناس، بدأ الشك يدب في نفوس الكثير منهم بوجوده (عليه السلام) خصوصاً مع اقتسام إرث أبيه الإمام العسكري بين عمه جعفر وجدته ـ أي أم الإمام العسكري حيث أوصى لها الإمام العسكري بأوقافه وصدقاته ـ هذا بالإضافة لادعاء عمه جعفر الكذاب الإمامة، فكان لابد من إثبات وجود الإمام المهدي عبر بعض المشاهدات للعديد من الناس، وهي التي حصلت بالفعل في فترة الغيبة الصغرى كصلاته (عليه السلام) على جنازة أبيه ولقائه بوفد القميين الذين جاءوا لتسليم الأموال للإمام العسكري ووصفه الدقيق لتلك الأموال.

فعن أبو الأديان في ضمن حديث طويل تحدث فيه عن وفاة الإمام العسكري (عليه السلام) قال: (فلما صرنا في الدار، إذا نحن بالحسن بن علي صلوات الله عليه على نعشه مكفنا، فتقدم جعفر بن علي ليصلي على أخيه، فلما هم بالتكبير خرج صبي بوجهه سمرة، بشعره قطط، بأسنانه تفليج، فجذب برداء جعفر بن علي وقال:

تأخر يا عم فأنا أحق بالصلاة على أبي،

فتأخر جعفر وقد اربد وجهه واصفر، فتقدم الصبي وصلى عليه ودفن إلى جانب قبر أبيه (عليهما السلام).

والأمر الآخر الذي قام به الإمام المهدي (عليه السلام) في الغيبة الصغرى لإثبات وجوده هو اتخاذ نظام الوكلاء أو النواب بينه وبين عامة الشيعة.

ومن الأمور الهامة أيضاً التي ساهمت في إثبات وجود الإمام المهدي (عليه السلام) وتهيئة الذهنية العامة لدى المؤمنين للغيبة الكبرى وجعلتهم يتقبلون الفكرة بصدر رحب هو تأكيد العديد من الروايات الواردة عن النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليهم السلام) على الغيبة وحصولها للإمام المهدي (عليه السلام) وتحدثهم عنها بإسهاب.

فعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

(إن لصاحب هذا الأمر ـ يعني المهدي ـ غيبتين إحداهما تطول حتى يقول بعضهم مات، وبعضهم يقول قتل، وبعضهم يقول ذهب، حتى لا يبقى على أمره من أصحابه إلا نفر يسير، لا يطلع على موضعه أحد من ولي ولا غيره إلا المولى الذي يلي أمره).

وعن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: ما تأويل قول الله تعالى

قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً فمن يأتيكم بماءٍ معين ،

فقال (عليه السلام):

(إذا فقدتم إمامكم فلم تروه فماذا تصنعون).

وعن محمد بن زياد الأزدي قال: سألت سيدي موسى بن جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز وجل

وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ،

فقال (عليه السلام):

النعمة الظاهرة الإمام الظاهر والباطنة الإمام الغائب،

قال: فقلت له: ويكون في الأئمة من يغيب؟ قال:

نعم، يغيب عن أبصار الناس شخصه ولا يغيب عن قلوب المؤمنين ذكره، وهو الثاني عشر منا، يسهل الله له كل عسير، ويذلل له كل صعب، ويظهر له كنوز الأرض ويقرب له كل بعيد ويبير به كل جبار عنيد ويهلك على يده كل شيطان مريد، ذلك ابن سيدة الإماء الذي تخفى على الناس ولادته ولا يحل لهم تسميته حتى يظهره الله عز وجل فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.

ولقد قام الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) بطريقة هادئة في إعلام كبار الشيعة والمخلصين من المؤمنين بولادة الإمام المهدي المنتظر وذلك عبر إرسال بعض الرسائل للثقاة منهم من أمثال أحمد بن إسحاق حيث كتب (عليه السلام) له:

(ولد لنا مولود فليكن عندك مستوراً، وعن جميع الناس مكتوماً فإنا لم نظهر عليه إلا الأقرب لقرابته والولي لولايته، أحببنا إعلامك ليسرك الله به مثل ما سرنا به والسلام).

كما قام (عليه السلام) بذبح كذا شاة عقيقة عن ابنه المهدي وقام بتوزيع كمية كبيرة من الخبز واللحم على شخصيات من بني هاشم ووجهاء الشيعة، ولقد جاء في بعض الأخبار كما نُقل عن الحسن بن المنذر عن حمزة بن أبي الفتح أنه (عليه السلام) عق عنه بثلاثمائة شاة.

كما قام الإمام العسكري (عليه السلام) بإخبار بعض أصحابه الموثوق بهم شفوياً بولادة الإمام المهدي من أمثال أبا هاشم الجعفري وأبا طاهر البلالي كما قام (عليه السلام) بعرض ابنه المهدي على جماعة من أصحابه وهم أكثر من 40 رجلاً وقد اجتمعوا في مجلسه فقال لهم:

(هذا إمامكم من بعدي وخليفتي عليكم أطيعوه ولا تتفرقوا من بعدي فتهلكوا في أديانكم، ألا وإنكم لا ترونه من بعد يومكم هذا حتى يتم له عمر، فاقبلوا من عثمان ـ أي العمري ـ ما يقوله وانتهوا إلى أمره واقبلوا قوله، فهو خليفة إمامكم والأمر إليه).

- ولكن لماذا لم تستمر السفارة بين الإمام المهدي (عليه السلام) والناس كما في الغيبة الصغرى حتى يومنا هذا؟ أو بمعنى آخر لماذا حدثت الغيبة الكبرى؟

أسباب انتهاء الغيبة الصغرى:

يذكر السيد محمد صادق الصدر (قدس) بشأن بدء الغيبة الكبرى الأسباب التالية:

1- استيفاء الغيبة الصغرى لأغراضها في تهيئة الذهنية العامة للناس لغيبة الإمام المهدي (عليه السلام).

2- ازدياد المطاردة والمراقبة من قبل السلطات الحاكمة آنذاك للإمام والمرتبطين به لدرجة أن السفير الرابع لم يقوم بعمل اجتماعي كبير يذكر، ولم يرو لنا من أعماله إلا القليل، ولم تستمر مدة سفارته إلا ثلاثة أعوام فقط.

3- عدم إمكانية المحافظة على السرية الملتزمة في خط السفارة لو طال بها الزمان أكثر من ذلك وانكشاف أمرها شيئاً فشيئاً، فخلال السبعين سنة تقريباً وهي مدة الغيبة الصغرى لم يُنقل أنه عُرف كيف يتم الاتصال بين الإمام والسفراء، وكيف يخرج لهم التوقيع، وأين يجتمعون مع الإمام (عليه السلام).

بل لم يكن لأي من السلطات الحاكمة آنذاك أن يثبتوا على أحد السفراء أو وكلائهم أنهم أخذوا مالاً من أحد ما لتوصيله للإمام، ولم يجدوا في حوزتهم أي أوراق تثبت اتصالهم بالإمام (عليه السلام).

فعن الحسين بن الحسن العلوي قال: (انتهى إلى عبيد الله بن سليمان الوزير أن له ـ أي الإمام ـ وكلاء وأنه تجبى إليهم الأموال، وسموا الوكلاء في النواحي، فهمّ بالقبض عليهم، فقيل له: لا، ولكن دسوا لهم قوماً لا يعرفونهم بالأموال، فمن قبض منهم شيئاً قُبض عليه، فلم يشعر الوكلاء بشيء حتى خرج الأمر ـ أي من صاحب الزمان ـ أن لا يأخذوا من أحد شيئاً وأن يتجاهلوا بالأمر، وهم لا يعلمون ما السبب في ذلك، وامتنع الوكلاء كلهم لما كان تقدم إليهم، فلم يظفروا بأحد منهم ولم تتم الحيلة فيهم).

ولقد تعرض السفير الثالث الحسين بن روح للاعتقال والمساءلة لفترة من الزمن وحينما لم تجد عليه السلطات أي مستمسك أطلقت سراحه بفضل الله.

5:08 م

أسباب الغيبة الصغرى للإمام المهدي -1

http://www.emammahdi.com/card_postal/email/e_mahdi/34.jpg

أولاً: الحفاظ على شخص الإمام المهدي (عليه السلام) وبقائه

كما كان أيام الفراعنة وفي زمان النبي موسى (عليه السلام) حيث أنهم كانوا موعودين بخروج مخلص لبني إسرائيل ينهي ظلم الفراعنة ويدمر الطاغية فرعون ويقضي على جبروته، فما كان منه إلا أن قام بقتل الذكور من أبناء بني إسرائيل واستبقاء الإناث

يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم

كذلك كان من المعروف من الأخبار والروايات المتواترة عن النبي (صلى الله عليه وآله) أن عدد الأئمة اثني عشر إماماً، وأن الإمام الثاني عشر هو الذي يزيل دول الظلم ويقضي على أئمة الجور والطغيان، فكان حكام الدولة العباسية يترقبوا هذا الأمر ويحسبون له ألف حساب، فوضعوا الإمام الحادي عشر أي الحسن العسكري (عليه السلام) تحت الإقامة الجبرية في بيته بسامراء، كما وضعوا نساؤه تحت الرقابة المباشرة، وذلك للقضاء على الإمام الثاني عشر وتصفيته أول ولادته.

لذلك شاء الله سبحانه وتعالى إخفاء أمر حمله وولادته إلا عن خواص الشيعة والموثوق بهم من المؤمنين، وبعد ولادته (عليه السلام) تناهى لمسامع الحكومة العباسية بعض الأخبار عن ذلك فتمت مداهمة بيت الإمام العسكري (عليه السلام) مرات عديدة وبشكل مفاجئ للقبض على الإمام المهدي (عليه السلام) وتصفيته، وباءت جميع محاولاتهم بالفشل، مما جعل أم الإمام المهدي السيدة نرجس (رض) تدعي بأنها حامل فسجنت عند القاضي بسامراء لمدة سنتين وذلك بعد وفاة الإمام العسكري حتى شغلوا عنها بثورة صاحب الزنج وسلمها الله منهم بفضله.

فكانت هذه الظروف العصيبة هي التي دعت الإمام المهدي (عليه السلام) للغيبة حفاظاً على نفسه لكي لا يقتل كما قتل آباؤه (عليهم السلام) خصوصاً وهو آخر الأئمة وبقية حجج الله على الخلق وخاتم الأوصياء (عليهم السلام)، وهو المكلف بإقامة الدولة الإسلامية العالمية، فكان لابد من الحفاظ على وجوده بالغيبة حتى ينجز المهمة الموكل بها، وهذا ما نفهمه من الروايات التالية.

فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال:

(لابد للغلام من غيبة، فقيل له: ولم يا رسول الله، قال: يخاف القتل).

وفي البحار عن الباقر (عليه السلام) قال:

(إذا ظهر قائمنا أهل البيت قال : ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكماً، أي خفتكم على نفسي وجئتكم لما أذن لي ربي وأصلح لي أمري)(4).

وعن يونس بن عبد الرحمن قال: (دخلت على موسى بن جعفر (عليه السلام) فقلت له: يا بن رسول الله أنت القائم بالحق؟ فقال (عليه السلام):

أنا القائم بالحق، ولكن القائم الذي يطهر الأرض من أعداء الله ويملأها عدلاً كما ملئت جوراً هو الخامس من ولدي، له غيبة يطول أمدها خوفاً على نفسه، يرتد فيها أقوام ويثبت فيها آخرون).

وخرج في التوقيع من الإمام المهدي (عليه السلام) لمحمد بن عثمان العمري في علة عدم ذكره باسمه:

(فإنهم إن وقفوا على الاسم أذاعوه، وإن وقفوا على المكان دلوا عليه)

- ولكن هل الخوف على نفسه (عليه السلام) يستدعي غيابه كل هذه القرون الطوال…؟

بالطبع هذا الأمر غير منطقي فبعد انتهاء دولة بني العباس جاءت الكثير من الدول والممالك، ولم يعد يذكره أو يطلبه الظالمون بالشكل الذي كان في بدء غيبته، ولم يعد هناك حرج من ذكر اسمه أمام الناس، فلا بد أن هناك أسباب أخرى لاستمرار الغيبة الطويلة هذه، وهذا ما سنذكره إن شاء الله تعالى في الفصل القادم في أسباب الغيبة الكبرى.

ثانياً: تهيئة الأمة للغيبة الكبرى والانقطاع التام عن الإمام (عليه السلام)

كان المؤمنون في زمان الرسول (صلى الله عليه وآله) والأئمة الأطهار (عليهم السلام) يتلقون الأحكام الشرعية والتعاليم الإسلامية مباشرة من النبي والأئمة دون أي حاجز أو مانع، وإذا أشكل عليهم أمر ما أو قضية معينة يلجئون فيها إلى المعصوم فيحلها في الحال, واستمر هذا الأمر حتى عام 260 هـ، عند وفاة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، حيث اختلف الحال ولم يعد بإمكان المؤمنين الالتقاء بالإمام المهدي (عليه السلام) وتلقي الأحكام الشرعية على يديه مباشرة.

ولكي لا تحدث ردة فعل عنيفة في الأمة لانقطاع الإمام عنها وغيابه بشكل مفاجئ، كان لابد من تهيئة الأمة للغيبة الكبرى، وتعويد الناس تدريجياً على احتجاب الإمام عنهم وبالتالي يستسيغون فكرة اختفائه (عليه السلام).

لذلك كان من شأن الإمام المهدي (عليه السلام) تعيين السفراء الأربعة رضوان الله تعالى عليهم خلال الغيبة الصغرى كواسطة بينه وبين الناس،كما كان (عليه السلام) متدرجاً في الاحتجاب عن الناس خلال تلك الفترة، حيث تمكن العديد منهم مشاهدته في أول الغيبة الصغرى وكان أقل احتجاباً عن الناس، وكلما مشى الزمان زاد احتجابه، حتى لا يكاد يُنقل عنه المشاهدة في زمن السفير الرابع لغير السفير نفسه.

ولقد شبهت الروايات الواردة عن النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة الأطهار الإمام المهدي (عليه السلام) بالشمس المضيئة، فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لجابر بن عبد الله الأنصاري:

(أي والذي بعثني بالنبوة، إنهم لينتفعون به ويستضيئون بنور ولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن جللها السحاب)

فكما أن الشمس قبل غروبها تماماً تبقى أشعتها لمدة معينة من الزمن حتى تغيب تماماً ويحل الظلام الدامس، فكذلك الإمام كان في حال الغيبة الصغرى متدرجاً في الغيبة قبل انقطاعه التام عن الناس.

ويذكر السيد مجتبى السادة بهذا الشأن أن للإمام المهدي (عليه السلام) أيضاً ظهور أصغر يسبق الظهور الأكبر إن شاء الله تعالى، وذلك يتمثل في عدة أحداث وقضايا سوف تحدث تمهد الأرض والبشرية لظهوره المبارك (عليه السلام)، حيث يقول: (وكذلك طلوع الشمس فإنه لا يكون مباشرة بل يبدأ الخيط الأبيض ثم الفجر ثم نور باهت يزداد تدريجياً حتى طلوع الشمس ساطعة في السماء، وهكذا فإن ظهور الحجة بن الحسن (عليه السلام)، وهو كالشمس المنيرة في سماء الولاية، لابد أن يسبقه ظهور أصغر يهيئ الأرضية للظهور الكامل لوجوده المقدس).

5:03 م

أنصار الحسين عليه السلام وأصحاب المهدي عجل الله فرجه الشريف

إنّ قراءتنا لأنصار الحسين عليه السلام ترتبط في واقعها بقراءة واقع أصحاب المهدي عليه السلام الذي سترتبط مهمّته الإلهيّة عند قيام دولته المباركة بواقعة الطفّ المفجعة، ومن ثمّ سيكون هناك تشابه في مهمّتي الثورتين.

فالإمام المهدي ـ حسب تواتر الأخبار ـ سيكون شعاره في حال ظهوره المطالبة بدم الحسين عليه السلام ودماء أهل بيته الذي استشهدوا في كربلاء، وسيكون الإمام المهدي مُطالِباً بثأر الحسين عليه السلام من قتلته الذي تصرّفوا في مصرعه بأعمالٍ بربريّةٍ لا تخطر على بال أحد، أي أنّ الإمام المهدي عليه السلام سيطالب القتلة بدم جدّه المظلوم على أساسٍ تنظيري يوظّفه لإعلان أُطروحته العادلة التي جاءت على أنقاض الظلم والعدوان، ولا تجد مصداقاً من المظلوميّة التي يمكن أن تكون شعاراً لكلّ مظلوميّة على مديات التاريخ كمظلوميّة الإمام الحسين عليه السلام، وسينعى المهدي عليه السلام جدّه الحسين عليه السلام ويبكي مصرعه على الملأ من النّاس الذين سيكون من بينهم شيعته، وعدوّه، أو من التزم موقفاً حياديّاً لما يعانيه من العيش في منطقة الفراغ المعرفي الذي يعانيه جيل من الشباب، بل من الذين انعزلوا عن معرفة الواقع التاريخي والمسلّمات العقائديّة التي تُعدّ ضرورة التكليف.

وإذا نادى الإمام المهدي عليه السلام بمظلوميّة جدّه الحسين عليه السلام وأعاد مظلوميّته إلى الأذهان، فعند ذلك ستتحرّك مشاعر شيعته ومواليه، وسينشدّون لمناصرته ومؤازرته، وسيحاججون خصومه ومخالفيه الذين تمسّكوا برؤيةٍ تخالف رؤية الإمام عليه السلام، وسوف لن تكون لهم الحجّة عند ذلك، بل الحجّة عليهم. أمّا الذين كانوا حياديي الموقف والنظرة فلا بدّ لهم من الخضوع للواقع، والجدّية في التعامل مع الأحداث لتأسيس قناعاتهم حينئذٍ من جديد.

وإذا كان الأمر كذلك فسيُعلن الإمام المهدي عليه السلام اُطروحته المبنيّة على العدل والمناداة بالسلام.

إذن، فالواقع التغييري الذي ينتهجه الإمام الحجّة عليه السلام، والذي يشمل بُنى الحياة المنطلقة من الواقع التغييري السياسي ـ كما انتهج جدّه الحسين عليه السلام عند خروجه ـ سيحتاج إلى (إمكانيّة استثنائيّة) كذلك قادرة على استيعاب أوامر الإمام عليه السلام وخططه في تحرّكاته الميدانيّة ومواجهاته العسكريّة. ولا بدّ لهذه المواجهة الجديدة والتحرّكات الاستثنائيّة بقيادة الإمام المهدي عليه السلام من حاجةٍ إلى أصحاب ومناصرين من طرازٍ خاصّ كذلك، يحتملون المهمّة ويؤدّون المسؤوليّة على أحسن وجهها.ومعلومُ أنّ ثورة الإمام الحسين عليه السلام خرقت الواقع الفاسد المعاش، والذي تعانيه الاُمّة إثر سياسات التمييع التي فشلت إبّان حكوماتٍ هدفت إلى شلّ العقل الإسلامي حتّى أنّه لا يعي ما يجري حوله، وبالتالي لا يستوعب ضرورة

التغيير، وهذه إحدى أسباب نكسة العقليّة الإسلاميّة التي مُرِّرتْ من خلالها مشاريع الأُمويّين، ومن ثَمّ العباسيّين حتّى تفشّى وباء ذلك إلى العقليّة الحاضرة.

أي أنّ الإمام الحسين عليه السلام كانت ثورته خلافاً لما اعتاده العقل الإسلامي وقتذاك، والذي يرى ضرورة تجنّب أيّة محاولةٍ إصلاحيّة، بل كان يرى مناصرة السلطان وإعطاء البيعة لأيّ عنوان كان، بغضّ النظر عن مشروعيّة هذه العناوين وصلاحها، كما حدث مع معاوية وابنه يزيد ومن قبلهما، ومعنى ذلك أن يُغاير الإمام الحسين عليه السلام في مسيرته الاصلاحيّة مجتمعاً خانعاً لا يقوى على اُطروحته عليه السلام، بل يرى ذلك خروجاً على السلطان الذي يجب التعايش معه إن لم تكن مناصرته على أقلّ تقدير، وبالفعل كانت ثورة الإمام الحسين عليه السلام خرقاً للعقليّة الإسلاميّة النخرة التي ترِثُ تقاليد الخنوع للسلطان، وبالتالي فإنّ هناك مقاومةً شديدة ضدّ مشروع الاصلاح الحسيني يقف من ورائها أصحاب المطامع والمصالح الخاصّة، والهمج الرعاع من النّاس، فضلاً عن سكوت المتخاذلين الذي يشكّل حقيقة معارضةً خاصّة، هكذا كانت ثورة الإمام الحسين عليه السلام تنطلق على أنقاض أزماتٍ روحيةٍ يعانيها مجتمع خانع، ورؤىً تتجاذبها سياسات المصالح والمطامع، وبالتالي فإنّ ثورته عليه السلام ستكون كسراً لطوق التقليديّات التي أودت بالقيم الحقّة.

من هنا تعرف استثنائيّة القائد لا استثنائيّة الموقف، وبالتأكيد فالحاجة إلى أنصارٍ استثنائيّين باتت ضرورة ملحّة في مثل هذه الظروف، وسيتبيّن لنا بالفعل استثنائيّة هذه الثلّة عقيدةً ووفاءً وتضحيةً. هذه هي حالات وظروف الثورة الحسينيّة، وبالتأكيد ستكون حالات وظروف الثورة المهدويّة مشابهة لها؛ لتشابههما في الهدف والوظيفة.

وبهذا فستنطلق ثورة الإمام المهدي عليه السلام من بين منعطفاتٍ اجتماعيّة، وتدافعاتٍ سياسيّة أسّستها رؤى المصالح الشخصيّة لذلك الفرد أو لتلك الجهة، وبالتأكيد فإنّ ثورته عليه السلام تأتي على أنقاض القيم ـ وإن كانت منحرفة ـ إلاّ أنّها السائدة اجتماعيّاً والمتعامل بها عرفاً، وخلافها يُعدّ خروجاً على المألوف.

علـــى أنّ الثورة المهدويّة ستكون في حالات مخاضٍ صعــب ممّا واجهته ثورة الإمام الحسين عليه السلام، فقرب العهد النبويّ، وحلول المعصوم بين ظهراني الاُمّة أفرز مفهوماً عامّاً وهو الارتكاز لدى الجميع على مشروعيّة الثورة، إلاّ أنّ هذا الارتكاز يتذبذب وفقاً للمصالح الخاصّة التي يحوزها الأفراد، ولا ننسى ما كان من شبث بن ربعي وحجّار بن أبجر والحجّاج بن عمرو الزبيدي وأمثالهم الذين راسلوا الإمام الحسين عليه السلام بالمجيء والاستجابة لاستغاثتهم واستصراخهم، إلاّ أنّ معادلات مصالحهم الخاصّة حكمت لصالح تراجعهم وخذلانهم الإمام عليه السلام. في حين تواجه ثورة الإمام المهدي عليه السلام موجة محتدمةً لتيارات سياسيّة ودراسات فكريّة عالميّة اقتضت مصالحها التثقيف على تصدّي هذه الثورة ومحاولة إحباطها، والتعبئة لمواجهتها بكلّ الوسائل والأدوات، وما نشأ ويُنشأ من تحالفات من أجل التصدّي لهذا الانطلاق المهدوي أوجد حالات تحفّز لدى المعسكر الآخر للهيمنة والقوّة على أتباع الفكرة المهدويّة وإلغائهم، بل شلّ تحرّكاتهم وتهميش أدوارهم بشكل مؤسف حقّاً.

من هنا كان أنصار الإمام المهدي عليه السلام وأتباعه من اختيارٍ خاصّ يُهيّؤهم لاستيعاب المهمّة التي سوف تنسف معها مفاهيم القيم الاجتماعيّة السائدة ذات الممارسات العالميّة المنحرفة التي تُعدُّ في حقيقتها سياسة عالمٍ ابتلي بمعادلات المصالح على حساب القيم.

إذا تبيّنت لنا المقارنة بين الثورتين ودواعي قيامها أمكن لنا معرفة وحدة الخصوصيّة والهدف، واستطعنا أن نقرأ ظرفيهما بمفهوم واحد، وكأنّ ثورة الإمام الحسين عليه السلام إرهاص لثورة المهدي عليه السلام، أو أنّ الثورة المهدويّة هي إعادة للثورة الحسينيّة بعالميّتها وشموليّتها. ولقراءة مقطعٍ واحدٍ من مقاطع الثورتين سنجد التقارب أكثر وضوحاً، والمعالم أكثر تشاهداً، وستمثّل قراءة الأنصار إحدى المشتركات بين الثورتين.

أوّلاً: عالميّة الإنتماء وإلغاء الحدود الإقليميّة التي تمثّل حاجزاً مهمّاً في الانتماءات المعرفيّة لأيّة ثورة إصلاحيّة، في حين تُلغى هذه الجغرافية السكّانيّة بكلّ حواجزها لتفتح حدودها للإنتماء العقائدي فقط.

فالخارطة الجغرافيّة لأنصار الإمام المهدي ستتلوّن بمختلف الانتماءات السكانيّة وانتساباتها المعرفيّة تؤكّد عالميّتها وتعدّديّتها في الانتماء.

فالإحصائيّة الرسميّة الواردة في روايات الظهور تشير إلى تلك الجغرافية السكّانيّة المتعدّدة، فهي لا تقتصر على الهويّة الإقليميّة فقط بقدر ما تدخل في انتساباتها عالميّة الانتماء، فمن العراق ومصر وسورية وفلسطين والأردن واليمن والحجاز هذا على النطاق العربي، وايران والهند وتركيا والصين ودول آسيا الوسطى، فضلاً عن الدول الغربيّة كذلك، كما هو صريح الروايات.

ثانياً: لم تقتصر دعوة الإمام المهدي عليه السلام حين الانتساب إليها على مستوى طبقي، بل ـ ستضمّ ـ في تشكيلاتها طبقيات متعدّدة، فبين أثرياء العالم ومموّلي المشاريع العملاقة إلى الفقراء المعدمين الذي حُرموا من أبسط الحقوق الإنسانيّة ومزاولتها، إلاّ أنّ المشتركات ستكون واحدة، ووحدة الهدف تُلغي معها الفوارق الطبقيّة والسكّانيّة.

ثالثاً: سيكون للمرأة حضورها الفاعل في تشكيلة أنصار الإمام المهدي عليه السلام، كما في بعض الروايات، وعدّت بعضها ثلاث عشرة امرأة، والظاهر أنّ تلك المعدودات ستكون بمثابة القائد الاُنموذج لانتساب الاُخريات لهذه الحركة التغييريّة المعصومة. ممّا يعني أنّ المرأة لا يُلغى دورها ولا يهمّش، كما اعتقده البعض قياساً بالحركات الاصلاحيّة الاُخرى، التي حاولت استبعاد المرأة وتهميشها باُسلوب لا يحفظ لها شخصيّتها التغييريّة، بل تحاول بعناوينها الخاصّة أن تشرك المرأة بشكل تشريفي أكثر من كونه حقيقياً فاعلاً، في حين أولت حركة الإمام المهدي عليه السلام اهتمامها الخاصّ في التعبويّة النسويّة بما سيترك آثاره على مسيرتهنّ في ظلّ المهدويّة المباركة.

رابعاً: تعدّديّة الانتماء المعرفي سيشكّل فارقاً هامّاً في الحركة المهدويّة، فالانتساب المعرفي لأنصار الإمام المهدي عليه السلام أمر تحتّمه ضرورة عالميّة الحركة المهدويّة، فهي لا تقتصر على الثقافات الخاصّة ذات الاُطروحات الناضجة الرشيدة، بل ستضمّ فيما تضمّ ثقافات تستوعب ضرورة الحركة الاصلاحيّة المهدويّة بشكل مجمل غير مهتمّة بالتفصيلات بقدر ما هي مهتمّة بضرورة الطاعة والاستجابة لنداء الإمام عليه السلام والتسليم لأطروحته الإلهيّة، وتبقى تفاصيل فلسفة الحركة المهدويّة على عاتق الطبقة المثقّفة من الأنصار، وبذلك ستضمّ التشكيلة المهدويّة في انتماءاتها تعدّدية الثقافة والاتّجاه، إلاّ أنّها ستشترك في قواسم مشتركة واحدة وهي طاعة الإمام عليه السلام، وتنفيذ أوامره، والتسليم لاُطروحته.

فستجد المثقّف المنتمي لثقافاته الأكاديميّة إلى جنب الرؤية الحوزويّة، فضلاً عن جمهور ثقافة الفطرة في ولاءاتها ومعرفتها البسيطة.

وهكذا هم أصحاب الإمام الحسين عليه السلام ضمّت تشكيلتها مختلف التطلّعات الثقافيّة، فمنهم المحدّث الصحابي، والقارئ والخطيب والمفوّه، والأعرابي الذي نزل منازل جهينة وأمثالها البعيدة عن مدنيّة المدينة أو حياة مكّة، أو حضارة الكوفيّين، أو ثقافة البصريّين المتميّزة بثقافاتها الجادّة ـ وإن كانت قد تطوّرت هذه الخلافات الفكريّة إلى مناهج سياسيّة صنّفت على إثرها ثقافات البصريّين وتوجّهاتهم عن الكوفيّين وعقائدهم، وليس هنا محلّ بحث إثارة المقارنة ـ وسيكون هذا التلوّن الثقافي والاختلاف التعليمي سبباً في تشكيلاتٍ ثقافيّةٍ جادّة تقنّن حسب آلياتها الفنّية الخاصّة بها، إلاّ أنّها ستصبّ في الهدف المهدوي العامّ.

خامساً: شموليّة الثورة المهدويّة وعالميّتها لا تعني المستوى الجغرافي أو التعدّديّة السكّانيّة فحسب، بل أنّ شموليّة المعتقد والانتماء الديني سيكون في طليعة هذه التوجّهات في مفاهيمها؛ لتكون الحضارة السائدة على أنقاض (حضارة) الارهاب التي ظنّ بعضهم أنّها الطريق الموصل للهدف، وبالعكس تُظهر الاحصائيات العامّة أنّ الحوار هو حضارة الإنسان، أي أنّ الثقافة الإنسانيّة المشتركة ستكون إنسانيّة الإنسان الذي يؤثرها الحوار الحضاري بين الاُمم والأديان والمذاهب، وإذا سادت هذه الحضارة من الحوار وكشف الحقائق فسيتسنّى لأكبر عدد من التطلّعات الثقافيّة والتوجّهات الدينيّة الانخراط في وحدة ثقافيّة متكاملة، فضلاً عن ذوي الديانات الاُخرى والمذاهب الإسلاميّة الباقيّة.

فالأخبار تشير إلى نزول عيسى ابن مريم ظهيراً للإمام المهدي عليه السلام ودعوته للانضمام إليه، وستكون أفواج أتباعه عليه السلام قد دخلوا الإسلام كتحوّلٍ فكري عقائدي حتمي، وهذا ما حدث فعلاً لأبي وهب الكلبي النصراني الاُنموذج الذي دخل في دين الله على يد سيّد الشهداء عليه السلام، وتحوّل سيّداً شهيداً يتبوّأ مكانة الشهداء الباقين، ومعلوم أنّ أبا وهب الكلبي نموذج واحد لقراءة سيرة تاريخ حسيني ورؤية مستقبل مهدوي.

هذا شأن الديانات الاُخرى، فما حسبك بالمسلمين الذين قرأوا الواقع السياسي قراءةً معكوسة، فانضمّوا إلى تحالفات غير موافقة لأهل البيت عليهم السلام، إلاّ أنّ باستصراخ الإمام الحسين عليه السلام ومحاججاته البليغة منَّ الله عليهم بالهداية والتحوّل إلى رحل الخلود وقافلة الشهداء، بعدما رأوا زيف ما هم فيه، وهكذا هي الاُطروحات الاُخرى فستكون داعية الانتماء للإمام المهدي عليه السلام إبّان الاطّلاع على دعوته والتوجّهات الإلهيّة، خلاف ما عملت الجهود المناوئة لأهل البيت عليهم السلام من قلب الحقائق ومصادرة القيم المهدويّة بإعلام يكشف عن الدجل والخيانة العلميّة لكثير من الحقائق التي تتعامل هذه الجهات مع أتباعها.